لم يكن اليوم الخميس يوماً عادياً تحت قبة البرلمان الإسباني في مدريد. فقد عاشت الجالية الصحراوية ومعها آلاف العائلات في الأقاليم الجنوبية، لحظات حبس الأنفاس، قبل أن تنطق الشاشة الكبيرة في قاعة “الكورتيس” بالكلمة الفصل: موافق.
اليوم، انتصر “المنطق الإنساني” على الحسابات السياسية الضيقة. مقترح حزب “سومار”، الذي ظل حبيس الأدراج والنقاشات البيزنطية لسنوات، أصبح أخيراً واقعاً ملموساً. إسبانيا تعترف رسمياً بأن الصحراويين الذين ولدوا تحت رايتها قبل 26 فبراير 1976 هم إسبان بالأصل، وليسوا غرباء.
أجمل ما في هذا الخبر، والذي سيفرح آلاف البيوت، هو أن هذا الاعتراف لم يأتِ “بتراً” للتاريخ، بل جاء شاملاً. القانون الجديد لا ينصف فقط الشيوخ الذين يحملون وثائق الحقبة الإسبانية القديمة، بل يمد يده لأبنائهم وأحفادهم. هذا يعني عملياً أن الجيل الجديد، الذي لم يعرف الاستعمار الإسباني ولكنه ورث ذاكرته عن أجداده، بات يملك الحق القانوني في حمل الجواز الأحمر، في خطوة يعتبرها كثيرون “تصحيحاً متأخراً لخطأ تاريخي فادح”.
لكن، ورغم الفرحة، يجب قراءة “السطور الصغيرة” في القانون بذكاء. الباب لن يظل مفتوحاً للأبد. المشرع الإسباني وضع الكرة في ملعب المعنيين، مانحاً إياهم مهلة عامين فقط (قابلة للتمديد لعام ثالث) لتقديم الملفات. إنها فترة قد تبدو طويلة، لكنها في عرف الإجراءات الإدارية “قصيرة جداً”، ما يعني أن سباق تجميع الوثائق القديمة وتجهيز الملفات يجب أن يبدأ من الآن.
ما حدث اليوم في مدريد هو زلزال قانوني هادئ. إنه اعتراف بأن الروابط التاريخية لا يمكن محوها بمرسوم سياسي. واليوم، الكرة في ملعب العائلات الصحراوية لاستثمار هذه الفرصة القانونية التي طال انتظارها، لتحويل هذا “الحق التاريخي” إلى “وثيقة رسمية”.

تعليقات ( 0 )