تسابق السلطات في السنغال الزمن لاحتواء تداعيات توقيف عدد من مشجعيها على خلفية أعمال شغب رافقت نهائي النسخة الأخيرة من كأس إفريقيا للأمم الذي احتضنته المغرب، في خطوة تعكس حرص داكار على معالجة الملف عبر القنوات الدبلوماسية والمؤسساتية، بعيداً عن أي تصعيد قد يمس بمتانة العلاقات التاريخية بين البلدين.
وكشفت الصحافة السنغالية أن الرئيس باسيرو ديوماي فاي يعتزم طلب تدخل الملك محمد السادس لإصدار عفو عن المشجعين المعنيين، في إطار الصلاحيات الدستورية المخولة للعاهل المغربي. كما خرج رئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو ليؤكد رغبة بلاده في أن “يقرر الملك محمد السادس منحهم العفو”، مشيراً إلى أن بلاده يمكنها، عند الاقتضاء، تفعيل اتفاق ثنائي يتيح النقل المتبادل للسجناء بين الرباط وداكار.
علاقات تاريخية تتجاوز عثرة رياضية
في هذا السياق، شدد عباس الوردي، أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس بالرباط، على أن العلاقات المغربية السنغالية “متينة وضاربة في عمق التاريخ”، تستند إلى أبعاد جيوسياسية وروحية مشتركة، وإلى روابط دينية وثقافية متجذرة، تجعلها عصية على التأثر بظروف عابرة من قبيل أحداث رياضية.
وأوضح الوردي أن التظاهرات الرياضية، مهما بلغت حساسيتها، تبقى محكومة بضوابط قانونية وتنظيمية واضحة، وأن أي إخلال بالنظام العام أو اعتداء على الممتلكات والأشخاص يخضع للقانون الجنائي المغربي الذي يطبق على الجميع دون استثناء، مواطنين كانوا أو أجانب.
وأشار المتحدث إلى أن حق العفو يظل صلاحية دستورية حصرية للملك، يمارسها وفق تقدير سيادي يراعي المصلحة العامة والاعتبارات الإنسانية والقانونية. كما لفت إلى أن تفعيل اتفاقيات تبادل السجناء، إن وجدت شروطها، يتم في إطار مساطر قانونية دقيقة تحفظ سيادة الدولتين وتراعي حقوق المعنيين.
القانون أولاً… والدبلوماسية مسار موازٍ
حسب المعطيات المتداولة، فإن المشجعين المعنيين صدرت في حقهم أحكام قضائية وُصفت بأنها مخففة نسبياً، رغم تورط بعضهم في اعتداءات على رجال الأمن وإلحاق أضرار بممتلكات عامة خلال أجواء التوتر التي أعقبت المباراة النهائية. وفي هذا الإطار، يرى متابعون أن القضاء المغربي تعامل مع الملف وفق مقاربة قانونية تراعي خطورة الأفعال المرتكبة، وفي الآن ذاته طبيعة الحدث وسياقه.
ويرى الوردي أن الأصوات التي تحاول تصوير الواقعة كأزمة دبلوماسية حادة “تغفل عمق العلاقات الثنائية”، مؤكداً أن الرباط وداكار تمتلكان قنوات تواصل مؤسساتية فعالة قادرة على معالجة أي إشكال بروح من المسؤولية والتعاون.
تخوف من توتر على وسائل التواصل
من جانبه، اعتبر محمد نشطاوي، خبير في العلاقات الدولية، أن التدخل الرئاسي السنغالي قد يشكل آلية فعالة لتخفيف الاحتقان الذي برز في بعض الفضاءات الرقمية، خصوصاً بعد دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي لمقاطعة بضائع مغربية في السنغال.
وأوضح نشطاوي أن مثل هذه الدعوات، وإن كانت محدودة التأثير على أرض الواقع، إلا أنها قد تسيء إلى صورة العلاقات الثنائية وتغذي خطاباً عاطفياً متشنجاً، يستدعي تدخلاً دبلوماسياً حكيماً لإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.
وشدد المتحدث على ثقته في حكمة القيادة المغربية لاتخاذ القرار المناسب، بما يضمن حماية السيادة الوطنية وتطبيق القانون، وفي الوقت ذاته الحفاظ على جسور التعاون والشراكة مع السنغال، التي تعد من أبرز الحلفاء التقليديين للمغرب في غرب إفريقيا.
بين السيادة والبعد الإفريقي المشترك
القضية المطروحة تضع في الميزان اعتبارات متعددة: من جهة، ضرورة احترام سيادة القانون وعدم التساهل مع أعمال الشغب والتخريب، ومن جهة أخرى مراعاة الأبعاد الإنسانية والدبلوماسية التي قد تدفع نحو تسوية مرنة، خصوصاً في ظل العلاقات الخاصة التي تجمع البلدين.
ويجمع مراقبون على أن أي قرار محتمل بالعفو، إن تم، لن يُقرأ فقط من زاوية رياضية، بل سيحمل أبعاداً سياسية ورمزية تعكس طبيعة العلاقات المغربية السنغالية، القائمة على التعاون جنوب-جنوب، والتنسيق في القضايا الإفريقية.
الرياضة والسياسة… تقاطع حساس
وفي معرض تحليله، استحضر نشطاوي أمثلة تاريخية تُبرز حساسية التداخل بين الرياضي والسياسي، مشيراً إلى “حرب كرة القدم” بين السلفادور وهندوراس سنة 1969، وإلى التوتر الذي رافق مباراة مصر والجزائر في تصفيات مونديال 2010، للتأكيد على أن كرة القدم قد تتحول أحياناً إلى شرارة توتر دبلوماسي إذا لم تُحط بإدارة رشيدة.
وأضاف أن تكرار حوادث الشغب في بعض المنافسات القارية يطرح أسئلة حول مسؤولية الاتحادات الرياضية في تعزيز ثقافة الروح الرياضية، ومحاربة أي ممارسات قد تؤجج الاحتقان، سواء تعلق الأمر بسوء التنظيم أو شبهات التأثير على التحكيم.
ودعا الخبير ذاته الاتحاد الإفريقي لكرة القدم إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد كل من يسيء إلى نزاهة اللعبة أو يستغلها لأغراض سياسية ضيقة، مؤكداً أن كرة القدم يجب أن تبقى جسراً للتقارب بين الشعوب الإفريقية، لا منصة لتصدير الأزمات.
آفاق الحل
في المحصلة، يبدو أن الملف يتجه نحو المعالجة الهادئة عبر القنوات الدبلوماسية، مع بقاء القرار النهائي بيد المؤسسة الملكية في المغرب، وفق ما يتيحه الدستور من صلاحيات. وبين تمسك الرباط بتطبيق القانون، ورغبة داكار في إيجاد مخرج إنساني لرعاياها، تبقى المؤشرات العامة مطمئنة بشأن مستقبل العلاقات الثنائية.
فالعلاقات المغربية السنغالية، التي صمدت أمام تحولات إقليمية ودولية معقدة، مرشحة لتجاوز هذه العثرة العابرة، خصوصاً في ظل الإرادة السياسية المشتركة للحفاظ على شراكة استراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون المثمر.

تعليقات ( 0 )