سلّطت مجلة جون أفريك الفرنسية الضوء على المشاورات الجارية بشأن نزاع الصحراء، والتي احتضنتها كل من مدريد وواشنطن، بمشاركة أطراف النزاع الإقليمي، إلى جانب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا. وقد عُقدت هذه المشاورات في إطار جهود دولية مكثفة لإعادة إطلاق العملية السياسية حول النزاع الذي استمر لعقود بين المغرب وجبهة البوليساريو، وسط دور محوري للأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.
وأوضحت المجلة أن هذه اللقاءات، التي تمت برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، ركزت أساسًا على مناقشة مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، الذي تقدّم به المغرب كإطار عملي لتسوية هذا النزاع الإقليمي. وقالت المجلة إن المقترح المغربي يحظى بدعم دولي واسع باعتباره الحل الأكثر واقعية وقابلاً للتطبيق، مقارنةً بخيارات أخرى سبق أن طرحت ولم تحقق تقدّمًا على أرض الواقع.
التخلي عن خيار الاستفتاء
وقد توقفت المجلة عند تصريحات مدير تحريرها، فرانسوا سودان، الذي اعتبر أن النقطة المحورية في المسار التفاوضي الجاري تحت إشراف الأمريكيين تتمثل في التخلي عن خيار الاستفتاء، مشيرًا إلى أن هذا الخيار أصبح من الماضي بعد تجاوز العقبات العملية والسياسية التي أعاقت تطبيقه على مدار السنوات الماضية. وأوضح سودان أن القرار الأممي رقم 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي في أكتوبر 2025، أعطى دفعة قوية لمقاربة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مؤكداً أنها المقاربة الواقعية الوحيدة القادرة على إنهاء النزاع وفتح آفاق التنمية والاستقرار في المنطقة.
وأكدت المجلة أن هذه المقاربة لا تتجاهل حقوق سكان الصحراء، لكنها تعطي إطارًا مؤسسيًا وسياسيًا يضمن لهم إدارة شؤونهم المحلية ضمن الدولة المغربية، بما يعزز الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة المغاربية. وقد لاقت هذه الرؤية اهتمامًا دوليًا متزايدًا، خاصةً في ضوء التطورات الجيوسياسية الأخيرة والحرص على تعزيز الأمن الإقليمي ومكافحة التوترات الحدودية.
مشاركة الجزائر وتحول في الموقف
من أبرز المحطات التي ركزت عليها المجلة، مشاركة الجزائر في هذه المشاورات، ممثلة بوزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف. وقد اعتبرت مجلة جون أفريك أن مشاركة الجزائر تعكس تحولًا في موقفها التقليدي، بعد أن كانت تعتبر نفسها طرفًا مراقبًا وليست طرفًا مباشرًا في النزاع. ويُرجح المراقبون أن هذا التحول جاء نتيجة ضغوط دبلوماسية أمريكية، في إطار جهود واشنطن لضمان مشاركة جميع الأطراف في العملية السياسية وتحقيق تقدم ملموس في الملف.
وأشار الصحفيون إلى أن مشاركة الجزائر بهذه الصفة الرسمية تعطي جلسات المشاورات جدية أكبر، وتزيد من فرص التوصل إلى حل تفاوضي شامل، بعد سنوات طويلة من الجمود السياسي والدبلوماسي. ويبدو أن هذا التحول الجزائري يعكس إدراكًا لمصلحة المنطقة بأسرها في إيجاد حل سياسي عملي، يمكن أن يخفف التوترات ويتيح فرص تعاون اقتصادي وأمني بين دول المغرب العربي.
دور الأمم المتحدة والولايات المتحدة
وأكدت المجلة على الدور المحوري للأمم المتحدة والولايات المتحدة في هذا المسار، حيث تعمل واشنطن على تسهيل اللقاءات بين الأطراف وتوفير منصة آمنة للنقاش، بينما يراقب المبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا سير المشاورات ويقدّم التوصيات اللازمة لضمان السير بخطى ثابتة نحو حل تفاوضي. ويشير المراقبون إلى أن التوازن الذي توفره واشنطن والأمم المتحدة في هذه المشاورات يخلق بيئة ملائمة لتبادل وجهات النظر بين الأطراف، بعيدًا عن الاحتكاكات التي ميزت العقود السابقة.
مسار تفاوضي جديد
وبحسب المجلة، فإن احتضان كل من مدريد وواشنطن لهذه المشاورات يعبّر عن رغبة دولية متزايدة في تحريك الملف بعد سنوات من الجمود، وإعادة بعث العملية السياسية على أسس واقعية، بعيدًا عن الطروحات التي أثبتت محدودية قابليتها للتطبيق. ويضيف الخبراء أن هذه الاجتماعات تأتي في وقت حساس من التاريخ الإقليمي، إذ تسعى الأطراف إلى إيجاد صيغة سياسية متوازنة تضمن مصالح جميع الأطراف وتفتح المجال أمام تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني في المنطقة.
وأشار الصحفيون إلى أن مقترح الحكم الذاتي المغربي، إلى جانب مشاركة الجزائر الرسمية، يشكلان عاملين أساسيين في تسريع وتيرة العملية السياسية. وبحسب تصريحات مسؤولي الأمم المتحدة، فإن المرحلة القادمة ستكون حاسمة لتحديد مصير النزاع، حيث ستتضح في الجولات المقبلة قدرة الأطراف على التوصل إلى توافق شامل ومستدام.
أفق مستقبل النزاع
ويتابع المراقبون عن كثب ما ستسفر عنه الجولة المقبلة من المشاورات، معتبرين أن التطورات الأخيرة تعطي مؤشرًا على إمكانية إحراز تقدم ملموس، بعد سنوات من الجمود الدبلوماسي. كما أن النتائج المتوقعة قد تمهد الطريق لتعاون أوسع بين دول المغرب العربي، مع التركيز على التنمية الاقتصادية والأمن الإقليمي، بعيدًا عن الصراعات التي أثقلت كاهل المنطقة لعقود.
في هذا السياق، ترى مجلة جون أفريك أن نجاح هذه الجولة من المشاورات سيشكل نقطة تحول حقيقية في مسار النزاع، ويمنح الأطراف المحلية والدولية فرصة لإعادة رسم مستقبل الصحراء على أسس سياسية واضحة ومستقرة، مع الأخذ في الاعتبار حقوق السكان المحليين ومصالح الدول المجاورة.

تعليقات ( 0 )