جددت موريتانيا تأكيد موقفها الداعم لكافة الجهود الرامية إلى التوصل لحل سياسي لقضية الصحراء، مشددة على أهمية الحوار بين الأطراف المعنية باعتباره السبيل الأمثل لإنهاء هذا النزاع الإقليمي الذي طال أمده. ويأتي هذا الموقف في سياق إقليمي ودولي يتسم بحركية دبلوماسية متجددة، تقودها الأمم المتحدة بدعم من عدد من الفاعلين الدوليين.
وفي هذا الإطار، قال الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية، الحسين ولد مدو، خلال مؤتمر صحفي عقد مساء أمس الأربعاء، إن موقف بلاده “ثابت ولم يتغير”، ويقوم على دعم جميع المبادرات التي من شأنها تقريب وجهات النظر بين الأطراف، وتشجيعها على الانخراط في حوار جاد ومسؤول يفضي إلى حل توافقي يرضي الجميع. وأوضح المسؤول الموريتاني أن بلاده تنطلق في موقفها من قناعة راسخة بضرورة تغليب منطق الحوار والتشاور، بعيداً عن أي تصعيد، معتبراً أن استقرار المنطقة يظل رهيناً بإيجاد تسوية سياسية متوافق عليها.
وأكد ولد مدو أن نواكشوط تتابع باهتمام بالغ التحركات الأممية الجارية، معربة عن دعمها لكل المساعي الإقليمية والدولية الرامية إلى تسوية النزاع في إطار سلمي، بما ينسجم مع قرارات الشرعية الدولية ويخدم مصالح شعوب المنطقة. وشدد على أن موريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي وصلاتها التاريخية والسياسية مع مختلف الأطراف، حريصة على الحفاظ على علاقات متوازنة، وعلى لعب دور إيجابي يساهم في تعزيز الاستقرار في الفضاء المغاربي ومنطقة الساحل.
ويأتي هذا التصريح بالتزامن مع تحركات أممية متواصلة لإحياء المسار السياسي، حيث أعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، ترأس مفاوضات مشتركة عقدت في واشنطن يومي 23 و24 فبراير الجاري.
وبحسب المسؤول الأممي، فقد جرت هذه اللقاءات بمشاركة السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، وبدعم من مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، إلى جانب حضور ممثلين عن الجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو. وتندرج هذه المفاوضات ضمن الجهود الرامية إلى إعادة إطلاق العملية السياسية التي تشرف عليها الأمم المتحدة، بعد فترة من الجمود النسبي.
ووصف دوجاريك هذه المفاوضات بأنها “مشجعة”، معتبراً أنها تمثل خطوة إيجابية في مسار الاتصالات السياسية بين الأطراف. غير أنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الملف لا يزال يتطلب المزيد من العمل، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الجوهرية المطروحة، والتي تحتاج إلى مقاربات عملية تتيح تضييق هوة الخلافات القائمة.
ويرى متابعون أن انعقاد هذه اللقاءات في واشنطن يعكس اهتماماً أمريكياً متزايداً بملف الصحراء، ورغبة في دعم جهود الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل سياسي دائم. كما يعكس، في الآن ذاته، إدراكاً دولياً متنامياً بأهمية استقرار منطقة شمال وغرب إفريقيا في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة، خاصة في منطقة الساحل، حيث تتداخل رهانات الأمن والتنمية والهجرة غير النظامية.
ويؤكد مراقبون أن موريتانيا تحرص، منذ سنوات، على التمسك بموقف الحياد الإيجابي، الداعم للحوار دون الانخراط في أي استقطاب إقليمي. وقد مكّنها هذا التوجه من الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، ما يجعلها فاعلاً مقبولاً في أي مسار تفاوضي محتمل. ويعتبر هذا الدور مهماً بالنظر إلى الروابط الاجتماعية والقبلية والاقتصادية التي تجمعها بالمنطقة، فضلاً عن انخراطها في الجهود الأمنية المشتركة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في الساحل.
ويأتي تجديد موريتانيا لموقفها في ظرفية دقيقة، تتسم بتسارع التحركات الدبلوماسية، سواء على مستوى الأمم المتحدة أو على صعيد العواصم المؤثرة. ويعكس هذا الحراك إدراكاً دولياً بضرورة الدفع نحو حل سياسي مستدام، في ظل تعقيدات إقليمية متشابكة وتحديات أمنية واقتصادية تضغط على بلدان المنطقة.
وتبقى الأمم المتحدة الإطار الرئيسي المعتمد لمعالجة هذا النزاع، من خلال بعثتها ومبعوثها الشخصي، حيث تراهن المنظمة الدولية على إعادة إحياء طاولة المفاوضات المباشرة، أو صيغة موائد مستديرة تجمع جميع الأطراف المعنية. وفي هذا السياق، يسعى دي ميستورا إلى تقريب وجهات النظر واستكشاف إمكانيات بناء الثقة، تمهيداً للانتقال إلى مناقشة القضايا الجوهرية المرتبطة بمستقبل الإقليم.
ويرى محللون أن وصف المفاوضات بـ”المشجعة” يعكس وجود مؤشرات أولية على استعداد الأطراف لمواصلة الانخراط في المسار السياسي، ولو بشكل تدريجي. غير أن التحدي الأكبر يظل في ترجمة هذه المؤشرات إلى خطوات عملية، قادرة على إحداث اختراق حقيقي في ملف ظل لسنوات طويلة رهيناً بحسابات إقليمية ودولية معقدة.
في المقابل، يؤكد مراقبون أن أي تسوية مستقبلية لن تكون ممكنة دون إرادة سياسية صادقة من جميع الأطراف، ودعم فعلي من القوى الدولية المؤثرة، إضافة إلى مراعاة هواجس الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة. كما يشددون على أن استمرار الوضع الراهن يكرس حالة من عدم اليقين، ويؤثر سلباً على فرص التكامل المغاربي والتعاون الاقتصادي بين دول المنطقة.
وبينما تتواصل الاتصالات السياسية في الكواليس، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذه الحركية الدبلوماسية إلى مسار تفاوضي واضح المعالم، يفضي إلى حل سياسي متوافق عليه، يحظى بدعم المجتمع الدولي ويضمن الاستقرار طويل الأمد. وفي هذا السياق، يعكس موقف موريتانيا المتجدد تمسكها بخيار الحوار، وحرصها على أن تظل جزءاً من الجهود الرامية إلى بناء أرضية مشتركة تسهم في إنهاء النزاع وتعزيز الأمن والتنمية في المنطقة بأسرها.

تعليقات ( 0 )