أثار الموقف الجزائري من القصف الإيراني على دول عربية موجة واسعة من النقاش في الأوساط السياسية والإعلامية، بعد أن اختارت الجزائر صيغة دبلوماسية حذرة في التعامل مع التطورات المرتبطة بالتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، والذي امتدت تداعياته إلى عدد من الدول الخليجية والعربية. ففي الوقت الذي سارعت فيه عواصم عربية عدة إلى إصدار بيانات إدانة صريحة للهجمات الإيرانية، فضّلت الجزائر الاكتفاء بالتعبير عن “التضامن” مع الدول المتضررة، دون تسمية الجهة المسؤولة بشكل مباشر.
هذا الموقف الجزائري من القصف الإيراني على دول عربية عكس توجهاً سياسياً قائماً على تجنب الاصطفاف العلني في الصراعات الإقليمية، مع التأكيد على مبادئ السيادة الوطنية ورفض أي مساس بأمن الدول. غير أن صيغة البيان الرسمي أثارت تساؤلات بشأن مدى انسجام خطاب التضامن العربي مع طبيعة الموقف المعلن.
وزارة الخارجية الجزائرية أعلنت أن الوزير أحمد عطاف استقبل سفراء الدول العربية التي تعرضت للقصف، مؤكداً تضامن الجزائر الكامل مع هذه الدول، ورفضها القاطع لأي انتهاك يمس سيادتها ووحدتها الترابية وأمن شعوبها. وشدد عطاف على أن الجزائر تقف إلى جانب أشقائها في مواجهة الأضرار البشرية والمادية التي خلفتها الهجمات، غير أن البيان تجنب الإشارة الصريحة إلى إيران باعتبارها الجهة المنفذة.
ويرى مراقبون أن هذا التحفظ في صياغة البيان يعكس حساسية العلاقات الجزائرية الإيرانية، إذ شهدت العلاقات بين الجزائر وإيران خلال السنوات الماضية تقارباً ملحوظاً على المستويين السياسي والدبلوماسي، فضلاً عن تنسيق داخل أطر إقليمية ودولية. ويعتقد هؤلاء أن إصدار إدانة صريحة قد يُفسَّر على أنه تحول في السياسة الخارجية الجزائرية تجاه طهران، وهو ما قد يؤثر على طبيعة التعاون القائم بين البلدين.
في سياق متصل، أعلنت الرئاسة الجزائرية أن الرئيس عبد المجيد تبون أجرى اتصالات هاتفية مع كل من ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان، وملك المملكة الأردنية الهاشمية عبد الله الثاني. ووفق البيان الرسمي، فقد تركزت هذه الاتصالات على الاطمئنان على أوضاع البلدين، والتعبير عن الأمل في عودة السلم والأمن إلى المنطقة في أقرب الآجال.
هذه التحركات الدبلوماسية تعكس محاولة الجزائر الحفاظ على توازن في علاقاتها الإقليمية، عبر التواصل مع الدول العربية المتضررة من جهة، وعدم التصعيد مع إيران من جهة أخرى. إلا أن بعض المتابعين يعتبرون أن الموقف الجزائري من القصف الإيراني على دول عربية قد يُفهم باعتباره حياداً سلبياً في لحظة تتطلب – وفق رأيهم – وضوحاً أكبر في إدانة أي اعتداء يستهدف دولاً عربية.
ويشير منتقدو الموقف إلى أن التضامن العربي، في مثل هذه الأزمات، لا يقتصر على التعبير العام عن التعاطف، بل يشمل تحديد المسؤوليات بشكل واضح، خاصة عندما يتعلق الأمر بهجمات عسكرية عابرة للحدود. ويرون أن غياب تسمية الجهة المنفذة قد يضعف الرسالة السياسية، ويثير تساؤلات حول مدى التزام الجزائر بمبدأ الدفاع المشترك عن أمن الدول العربية.
في المقابل، يدافع مؤيدو السياسة الجزائرية عن هذا النهج باعتباره امتداداً لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والحرص على لعب دور توازني يتيح للجزائر الحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف. ويؤكد هؤلاء أن الدعوة إلى التهدئة ووقف التصعيد تمثل خياراً عقلانياً في ظل مخاطر انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع قد تكون لها تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي والدولي.
ومن الناحية الجيوسياسية، يأتي الموقف الجزائري من القصف الإيراني على دول عربية في سياق إقليمي بالغ التعقيد، حيث تتداخل التحالفات والمصالح، وتتباين أولويات الدول العربية في التعامل مع إيران. فبينما ترى بعض العواصم في طهران تهديداً مباشراً لأمنها القومي، تسعى دول أخرى إلى الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة معها، تفادياً لتصعيد قد تكون كلفته مرتفعة على الجميع.
ويرى محللون أن هذا التباين في المواقف يعكس غياب رؤية عربية موحدة تجاه الملفات الإقليمية الحساسة، وهو ما ينعكس بدوره على طريقة التعامل مع الأزمات الطارئة. وفي هذا السياق، تصبح كل دولة مطالبة بالموازنة بين اعتبارات التضامن الجماعي ومصالحها الوطنية.
كما يطرح التطور الحالي تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات الجزائرية مع بعض الدول الخليجية، خاصة إذا ما اعتُبر تحفظ الجزائر عن إدانة صريحة لإيران إخلالاً بمبدأ التضامن في مواجهة اعتداءات مباشرة. وقد ينعكس ذلك، وفق تقديرات بعض المراقبين، على مستوى التنسيق السياسي أو التعاون في بعض الملفات الإقليمية في المدى القريب.
غير أن الصورة تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، إذ قد تسهم الاتصالات الثنائية والتحركات الدبلوماسية في احتواء أي توتر محتمل، خاصة إذا ما تطورت الأحداث نحو تهدئة شاملة في المنطقة. وفي جميع الأحوال، سيظل الموقف الجزائري من القصف الإيراني على دول عربية موضوع متابعة دقيقة، باعتباره مؤشراً على اتجاهات السياسة الخارجية الجزائرية في مرحلة إقليمية دقيقة.
وفي المحصلة، تجد الجزائر نفسها أمام معادلة معقدة: الحفاظ على علاقاتها مع إيران، وتعزيز روابطها العربية في آن واحد. وبين دعوات التهدئة ومطالب الإدانة الصريحة، تتحدد ملامح سياستها الخارجية في اختبار جديد يسلط الضوء على توازناتها الإقليمية وحساباتها الاستراتيجية.

تعليقات ( 0 )