أعلن الاتحاد الإفريقي رسميا عن إيداع ملف ترشيح الرئيس السنغالي السابق ماكي سال بصفته مرشحا إفريقيا لمنصب الأمين العام لـ الأمم المتحدة، خلفا للبرتغالي أنطونيو غوتيريش الذي تنتهي ولايته مع نهاية العام الجاري. ويأتي هذا الترشيح في سياق تحركات دبلوماسية مكثفة داخل القارة الإفريقية لتوحيد الموقف حول مرشح توافقي قادر على تمثيل القارة في أعلى منصب أممي.
ويحظى ماكي سال بمكانة سياسية وازنة داخل إفريقيا وخارجها، بالنظر إلى تجربته الطويلة في الحكم وقيادته لـ السنغال لولايتين رئاسيتين تميزتا بالاستقرار السياسي والإصلاحات الاقتصادية والانفتاح على الشراكات الدولية. كما راكم خلال فترة رئاسته خبرة مهمة في تدبير الملفات الإقليمية المعقدة، وتعزيز الحضور الإفريقي في دوائر القرار الدولي.
علاقات وثيقة بين المغرب والسنغال
يعد ماكي سال من الشخصيات السياسية المعروفة بعلاقاتها الوثيقة مع المغرب، حيث شهدت العلاقات الثنائية خلال فترة حكمه تطورا ملحوظا على مختلف المستويات. وظلت السنغال من أكثر الدول الإفريقية ثباتا في دعم الوحدة الترابية للمملكة، وهو موقف تُرجم عمليا بافتتاح قنصلية عامة في الداخلة، في خطوة جسدت اعترافا صريحا بمغربية الصحراء ورسخت الحضور الدبلوماسي الإفريقي في الأقاليم الجنوبية.
وقد شكل افتتاح القنصلية في الداخلة محطة بارزة في مسار العلاقات المغربية السنغالية، إذ لم يكن قرارا معزولا أو ظرفيا، بل جاء امتدادا لشراكة استراتيجية تاريخية عميقة جمعت الرباط وداكار. هذه الشراكة شملت التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتبادل الخبرات في مجالات الفلاحة والصيد البحري والبنيات التحتية، فضلا عن التنسيق السياسي داخل المحافل القارية والدولية.
كما أن العلاقات بين البلدين تستند إلى روابط إنسانية وروحية وثقافية متجذرة، تعززها الزيارات المتبادلة على أعلى مستوى، والتنسيق المستمر بشأن القضايا الإفريقية الكبرى، وفي مقدمتها الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة.
مكسب دبلوماسي محتمل للمغرب
في حال تمكن ماكي سال من الظفر بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، فإن ذلك سيشكل مكسبا دبلوماسيا مهما للمغرب، خاصة في ظل الدينامية التي يعرفها ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة. فقد نجحت الدبلوماسية المغربية في توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها حلا واقعيا وعمليا للنزاع الإقليمي.
وجود شخصية بحجم ماكي سال على رأس الأمانة العامة للأمم المتحدة، وهو الملم بتعقيدات النزاع وسياقاته الإقليمية، ويتبنى مقاربة واقعية قائمة على دعم الاستقرار والتنمية، من شأنه أن يعزز المناخ الدولي الداعم للمبادرة المغربية، وأن يدفع نحو تسريع المسار السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة، وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
كما أن تجربة سال في رئاسة الاتحاد الإفريقي سابقا، ومساهمته في إدارة أزمات سياسية وأمنية داخل القارة، تمنحه فهما عميقا لتحديات السلم والأمن الدوليين، وهو ما قد ينعكس إيجابا على طريقة تعاطي المنظمة الأممية مع القضايا الإفريقية، بما فيها النزاعات الإقليمية.
أبعاد إفريقية ودولية للترشيح
يحمل ترشيح ماكي سال أيضا أبعادا رمزية مهمة، إذ يعكس رغبة القارة الإفريقية في تعزيز حضورها داخل منظومة الأمم المتحدة، والمطالبة بتمثيلية أكبر في مراكز القرار الدولي. فالقارة، التي تضم أكثر من 50 دولة عضوا في المنظمة الأممية، ظلت تطالب بإصلاح مجلس الأمن وتعزيز التعددية، بما يضمن عدالة أكبر في تمثيل مختلف المناطق الجغرافية.
ومن هذا المنطلق، فإن دعم الاتحاد الإفريقي لترشيح موحد يعزز فرص القارة في المنافسة على المنصب، خاصة إذا ما حظي المرشح بتوافق واسع داخل إفريقيا وبدعم من قوى دولية فاعلة. ويُنظر إلى ماكي سال باعتباره شخصية قادرة على بناء الجسور بين الشمال والجنوب، وبين الدول الكبرى والدول النامية، بالنظر إلى أسلوبه البراغماتي وتجربته في التوفيق بين المصالح المتباينة.
انعكاسات محتملة على ملف الصحراء المغربية
بالنسبة للمغرب، يشكل هذا الترشيح فرصة لتعزيز المكتسبات التي تحققت في ملف الصحراء المغربية على المستوى الدولي. فالدينامية الحالية تتسم بتزايد عدد الدول الداعمة لمقترح الحكم الذاتي، وافتتاح عدد من القنصليات في مدينتي العيون والداخلة، ما يعكس تحولا تدريجيا في موازين المواقف الدولية.
وفي حال وصول ماكي سال إلى منصب الأمين العام، فإن معرفته المسبقة بتفاصيل الملف ومواقفه الداعمة للوحدة الترابية للمملكة قد تسهم في ترسيخ مقاربة قائمة على الواقعية السياسية، بعيدا عن الطروحات المتجاوزة التي أثبتت محدوديتها على أرض الواقع.
غير أن منصب الأمين العام يظل منصبا أمميا يتطلب الحياد والتقيد بقرارات مجلس الأمن، ما يعني أن أي تأثير محتمل سيظل في إطار دعم المسار السياسي الأممي وتعزيز فرص الحل التوافقي.
رهانات المرحلة المقبلة
يبقى مسار اختيار الأمين العام للأمم المتحدة معقدا، إذ يخضع لتوازنات دقيقة داخل مجلس الأمن، حيث تلعب الدول دائمة العضوية دورا حاسما في تحديد المرشح النهائي. ومع ذلك، فإن توحيد الصف الإفريقي خلف مرشح واحد يشكل خطوة أساسية لتعزيز حظوظه.
وفي جميع الأحوال، فإن ترشيح ماكي سال يعكس الثقة التي يحظى بها داخل القارة الإفريقية، ويؤكد المكانة التي راكمها خلال سنوات قيادته للسنغال. كما يسلط الضوء على التحولات الجارية في الدبلوماسية الإفريقية، وسعيها إلى لعب دور أكبر في صياغة القرارات الدولية.
وبالنسبة للمغرب، فإن هذا التطور يندرج ضمن سياق أوسع من الشراكات الاستراتيجية داخل إفريقيا، التي تقوم على مبدأ التعاون جنوب–جنوب، وتعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي، بما يخدم الاستقرار والتنمية في القارة.

تعليقات ( 0 )